فخر الدين الرازي

299

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

والحرث والنسل ، كما قال : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا [ الأعراف : 137 ] . ثم قال تعالى : فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ والمراد أن قوم موسى عليه السلام بقوا على ملة واحدة ومقالة واحدة من غير اختلاف حتى قرءوا التوراة ، فحينئذ تنبهوا للمسائل والمطالب ووقع / الاختلاف بينهم . ثم بين تعالى أن هذا النوع من الاختلاف لا بد وأن يبقى في دار الدنيا ، وأنه تعالى يقضي بينهم يوم القيامة . وأما القول الثاني : وهو أن المراد ببني إسرائيل في هذه الآية اليهود الذين كانوا في زمان محمد عليه الصلاة والسلام فهذا قال به قوم عظيم من المفسرين . قال ابن عباس : وهم قريظة والنضير وبنو قينقاع أنزلناهم منزل صدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من الطيبات ، والمراد ما في تلك البلاد من الرطب والتمر التي ليس مثلها طيبا في البلاد ، ثم إنهم بقوا على دينهم ، ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم العلم ، والمراد من العلم القرآن النازل على محمد عليه الصلاة والسلام ، وإنما سماه علما ، لأنه سبب العلم وتسمية السبب باسم المسبب مجاز مشهور . وفي كون القرآن سببا لحدوث الاختلاف وجهان : الأول : أن اليهود كانوا يخبرون بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام ويفتخرون به على سائر الناس ، فلما بعثه اللَّه تعالى كذبوه حسدا وبغيا وإيثارا لبقاء الرياسة وآمن به طائفة منهم ، فبهذا الطريق صار نزول القرآن سببا لحدوث الاختلاف فيهم . الثاني : أن يقال : إن هذه الطائفة من بني إسرائيل كانوا قبل نزول القرآن كفارا محضا بالكلية وبقوا على هذه الحالة حتى جاءهم العلم ، فعند ذلك اختلفوا فآمن قوم وبقي أقوام آخرون على كفرهم . وأما قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فالمراد منه أن هذا النوع من الاختلاف لا حيلة في إزالته في دار الدنيا ، وأنه تعالى في الآخرة يقضي بينهم ، فيتميز المحق من المبطل والصديق من الزنديق . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 94 إلى 97 ] فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ( 94 ) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 95 ) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ( 96 ) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 97 ) [ في قوله تعالى فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ إلى قوله فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ ] اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل اختلافهم عندما جاءهم العلم أورد على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ما يقوي قلبه في صحة القرآن والنبوة ، فقال تعالى : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي الشك في وضع اللغة ، ضم بعض الشيء إلى بعض ، يقال : شك الجواهر في العقد إذا ضم بعضها إلى بعض . ويقال شككت الصيد إذا رميته فضممت يده أو رجله إلى رجله والشكائك من الهوادج ما شك بعضها ببعض والشكاك البيوت المصطفة والشكائك الأدعياء ، لأنهم يشكون أنفسهم إلى قوم ليسوا منهم ، أي يضمون ، وشك الرجل في السلاح ، إذا دخل فيه وضمه إلى نفسه وألزمه إياها ، فإذا قالوا : شك فلان في الأمور أرادوا أنه وقف نفسه بين شيئين ، فيجوز هذا ، ويجوز هذا فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئا آخر خلافه .